الشيخ محمد هادي معرفة

255

تلخيص التمهيد

ثمّ يأتي دور التشريع « 1 » ويتقدّمه الحديث عن الكعبة وتشريفها ، وبيان النسخ والإنساء في الشرائع . فيبتدئ بتحويل القبلة « 2 » وتشريع الحجّ والجهاد والقتال في سبيل اللَّه ، والصوم والزكاة والاعتكاف ، والنكاح والطلاق والعدد ، والمحيض والرضاع والأيمان ، والوصية والدَين والربا ، والتجارة الحاضرة ، وبذلك تنتهي السورة . هذه هي الصبغة العامّة للسورة ، وفي ضمنها الاستطراق إلى عدة مواضيع بالمناسبة ، كما هي طريقة القرآن في جمعه لشتات الأمور . وفي ختام السورة « 3 » جاء الحديث عن ملكوت السماوات والأَرض ، وعلمه تعالى بما في الصدور فيحاسب العباد عليه ، وعن إيمان الرسول بما انزل إليه ، والمؤمنون على أثره ، وأن لا تكليف بغير المستطاع ، ولا بدّ من الاستغفار على الخطايا وطلب فضله تعالى ورحمته في نهاية المطاف . والمناسبة ظاهرة بعد ذلك التفصيل عن دلائل الدعوة ومعالم التشريع . وقد جهد الإمام الرازي في بيان النظم القائم بين هذه الآيات الثلاث بالذات وما سبقتها من دلائل التوحيد وتشريع الأحكام ، وذكر في ذلك وجوهاً لا بأس بها نسبياً ، وعقبها بقوله : ومن تأمّل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أنّ القرآن كما أنّه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضاً معجز بحسب ترتيبه ونظم آياته ، ولعلّ الذين قالوا : إنّه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك ، إلّاأنّي رأيت جمهور المفسّرين معرضين عن هذه اللطائف ، غير منتبهين لهذه الأمور . ثم تمثّل بقول الشاعر : والنجم تستصغر الأبصار رؤيته * والذنب للطرف لا للنجم في الصغر « 4 » والآيتان الأخيرتان منها قوله تعالى : « آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا

--> ( 1 ) . من الآية رقم 125 . ( 2 ) . الآية رقم 144 . ( 3 ) . الآيات رقم 284 و 285 و 286 . ( 4 ) . التفسير الكبير : ج 7 ص 127 .